מכשירי כתיבה

فُسَيْفِسَاء
إنّه منتصف شهر آذار، وهذه خطوتي الصّباحيّة الأولى تتزامن مع أجراس الكنيسة المنتصبة في رأس الحارة، وكأنّها ترقص لتقول لي: "صباح الخير يا جود". وبتلك التّحيّة الصّباحيّة، يكون طريقي إلى المدرسة قد بدأ.
شعري مصفّف بأناقة، وثيابي تنمّ عن ثقة وكياسة، لكنّ حقيبتي ثقيلة نوعًا ما بسبب البرنامج المنوّع والكثيف ليوم الأحد.
قبل أن أقطع نحو الجانب الآخر من الرّصيف، أنتظر كي أبدأ يومي بابتسامة ودودة من جارنا الجدّ "أبو نادر"، وهو يلقي تحيّة الصّباح على طريقته حيث يقول: "جود من الموجود يا جود. هههه..". وأتابع أنا السّير نحو زاوية الشّارع، شارد الذّهن، متلهّفًا في آنٍ معًا.
ولا أخفيكم بأنّ قسمًا كبيرًا من الطّريق ومن عليه يغيب عن تركيزي، ما عدا الرّصيف الذي كان يحتلّه "عمّو خليل"، حيث يعيد لي كامل وعيي خوفًا من ذلك الرّجل الذي طالما كان حريصًا على مراقبة المارّة، وبخاصّة الأطفال منهم. وقد حدث مرارًا أن أمسك بإحكام من يمرّ راكضًا ووبّخه وهدّده بإدخاله إلى "مخزن الفئران" إن عاود الرّكض على الرّصيف ثانيةً. كنت أحسبه وحش البلدة، حتّى سمعت من أحد الصّبيان في صفّي بأنّه فقد ابنه بحادث سير عندما خرج راكضًا من باب منزله الذي كان بمحاذاة الشّارع مباشرة.
نعم، سأمشي بهدوء وكأنّ جرس المدرسة لن يقرع هذا العام!
تمّ المرور بأمان، وها أنا أتجاوز العمّ خليل كي أتلمّس -كالعادة- ساق الشّجرة الحُبلى للبقّال العمّ "رازي البخيل" -كما كان يصفه أهل قريتي-، وقد شُيع أنّ الشّجرة قد نما لها سنام من شدّة بخله؛ لأنّها أمام حانوته، وترى من دقّته وسجاله مع النّاس على قروش تكاد لا تساوي شيئًا، حتّى الأطفال لا يأملون أن ينالهم أيّ عطف إن حدث ونقصت نقودهم عن السّعر المطلوب، وهو أكثر ما يثير حنقي، لأنّ الأطفال الفقراء يجب معاملتهم بكرم وسخاء كما يستحقّون.
أتجاوز دكّان العمّ رازي والهمّ يثقل كاهلي، وأتمنّى الآن لو أنّ هناك "طاقيّة إخفاء" كي لا تراني عمّة أمّي "الجدّة رسميّة"، التي تبدأ بمناداتي بكلّ أسماء إخوتي وأخواتي على ملء صوتها، حتّى تصيب اسمي أخيرًا؛ وبذلك أصبح محطّ أنظار الجميع في الشّارع وسط حالة من الحرج والارتباك الممتزجة بالغضب الشّديد. لكنّها لم تلحظني اليوم لانشغالها بترتيب البضاعة، التي طالما كانت جذّابة للزّبائن بسبب حسن ترتيبها وجودتها العالية.
نعم، الحمد لله، لقد وصلت إلى الجزء المحبّب لديّ، عيناي تحدّقان في البعيد، الآن ستظهر تلك الفتاة التي تصغرني بسنة في المدرسة.
سأحظى برؤية جبينها اللّامع، وشعرها المضفور بعناية فائقة، ولباسها المدرسيّ الأنيق الفوّاح برائحة عطر الغسيل الباهظ الثّمن.
وكالعادة، ستمشي أمامي دون أن تنظر إليّ، لكنّها في قرارة نفسها تعلم تمام العلم بأنّني أحرسها وأرافقها حتّى نصل إلى باب المدرسة، وكأنّ هذا السّلوك متّفق عليه ضمنًا من قِبل جميع من يعرفنا، فلا أحد يقترب منها أو يتبعها، وكأنّ حقوق المرافقة حصريّة بي فقط. علاوة على شخصيّتها الحازمة والذكيّة والمعروفة لدى الجميع في المدرسة، إلّا أنّها فقط بحضوري تمشي بخطواتٍ مرتبكة، وأنا أتابعها بارتباك أشدّ. كنّا نودّ لو كانت المدرسة في بلدة أخرى ليبقى الطّريق رفيقنا.
لكن سرعان ما تنقضي الدّقائق السّاحرة، وها قد وصلنا إلى باب المدرسة الحديديّ الأسود الكبير. ستتوقّف لوهلة، وتلتفت التفاتة رقيقة، وتنظر إليّ نظرة "شكرًا، أنتظركَ صباح الغد". وأدخل أنا أيضًا بانتظار الغد.
نص جميل وحميمي، ينبض بالمشاعر البريئة والتفاصيل الحياتية الدافئة.
- أسلوب سردي دافئ ومليء بالتفاصيل الحية يجعل القارئ يشعر وكأنه يسير في الطريق مع الراوي.
- شخصيات حقيقية وواقعية تضفي طابعًا إنسانيًا على القصة، مثل "عمو خليل" و"العم رازي" والفتاة التي يرافقها البطل.
- استخدام ذكي للوصف مثل "الشجرة الحُبلى" و"ساق الشجرة" و"لباسها الأنيق الفوّاح برائحة عطر الغسيل"، مما يخلق صورًا بصرية مؤثرة.
- نهاية عاطفية وناعمة تعكس حالة الترقب والشوق للمستقبل.
نص جميل وحميمي، ينبض بالمشاعر البريئة والتفاصيل الحياتية الدافئة.
- أسلوب سردي دافئ ومليء بالتفاصيل الحية يجعل القارئ يشعر وكأنه يسير في الطريق مع الراوي.
- شخصيات حقيقية وواقعية تضفي طابعًا إنسانيًا على القصة، مثل "عمو خليل" و"العم رازي" والفتاة التي يرافقها البطل.
- استخدام ذكي للوصف مثل "الشجرة الحُبلى" و"ساق الشجرة" و"لباسها الأنيق الفوّاح برائحة عطر الغسيل"، مما يخلق صورًا بصرية مؤثرة.
- نهاية عاطفية وناعمة تعكس حالة الترقب والشوق للمستقبل.